حيدر حب الله

45

مسألة المنهج في الفكر الديني

طرف ليتولّد على أساس ذلك تصوّر نهائي متناغم . ولعلّ واحداً من ضحايا النزعة التصارعية هذه هو علم الكلام الإسلامي في أكثر فروعه ، وهذا ما عابه عليه الفلاسفة دائماً ، فإن علم الكلام قد غلب عليه هذا النوع من الجدل ، وتحوّلت غايته إلى تفنيد الشبهات وإثبات المعتقد للخصم أثناء الجدل ، بحيث لم يكن الدليل المقدّم على إثبات هذا المعتقد دليلًا علمياً بما للكلمة من معنى على طريقة البرهان ، وإنما دليلًا جدلياً غالباً يستهدف إسكات الآخر ، وقد أدت هذه الحالة إلى إثراء علم الكلام بالنتاج وأمدّته بجوًّ عارمٍ من الحيوية ، إلا أنها - في المقابل - كرّست فيه منطق التغاضي عن الخطأ رعايةً للمصالح العليا التي تتطلبها المجادلة ، أي حتّى لا يكون للخصم مأخذ ، فأدى ذلك إلى تجمّد عمليات النقد الداخلي وإعادة النظر ، كما أدّى ذلك إلى شيء من تسييس علم الكلام وتشابك مصالحه والمصالح الأخرى الطارئة ، فصار الحذر من الفشل أمام الآخر مقولةً مقدّمة على نقد الذات أو إعادة القراءة أو تعديل الموقف ، حتى لو نجح المتكلّم في التوصّل إلى موقفٍ يرى في بيانه هزيمةً سياسية للجماعة بالمعنى الواسع للكلمة . إن ما يحتاجه علم الكلام اليوم هو تمثّل المنهج الفلسفي في التفكير ، أي السعي لبلورة تصوّرات لا تلعب ضغوطات التصارع فيها دوراً ، وإنما تتكوّن على أسس علمية لا قبليات فيها غير مبرهنٍ عليها ، وبذلك يمكن للحوار الكلامي أن يأخذ دوره في الإنتاج ، وهذا يعني برهانية الحوار بالمفهوم الفلسفي للكلمة ، لا جدليته أو خطابيته أو ما شابه ذلك ، وإن تمت الموافقة على فراغية البرهانية المطلقة حتى في علم الفلسفة . 5 - تخفيض معدّل الخطوط الحمراء معرفيّاً امتازت الحقبة القروسطية - بل وما سبقها - بمحدّدات وأطر فكرية كبيرة وكثيرة ، فكانت الحوارات داخل كلّ حلقة تجري ضمن تلك الأطر والضوابط التي لا يتمكّن الحوار من تجاوزها ، لأنها صارت تمثل خطوطاً